عبد الملك الجويني

225

الشامل في أصول الدين

ومما تمسك به المجسمة أن قالوا : إذا قلتم أن القديم شيء واحد لا يقبل الانقسام والتبعض ، فيلزم منه أن يكون أصغر الأشياء وأقلها ، فإن الجوهر الفرد لما لم يكن متركبا كان أقل قليل ، وهذا ضرب من السخف والحبال . فإن الصغر يعبر به عن الأقدار ، وإنما يتصف بالقدر ما له حظ من المساحة ، وإنما تمسح ما له جرم وتحيز . وما يستحيل تحيزه ، لا يتصف بالأقدار ولا يثبت له حظ من المساحة . والذي يوضح ما قلناه أن المجسمة [ إن ] وافقونا في إثبات [ أن ] علم اللّه تعالى متعلق بالمعلومات التي لا تتناهى ، لم يجب أن يقال : العلم من حيث لم ينقسم يتصف بالصغر والقلة ، فبطل ما قالوه كل من وجه . فهذه جمل كافية في الرد على من أثبت للّه حقيقة الأجسام . فصل مشتمل على الرد على من قال : إن اللّه تعالى جسم وليس بمتألف قد ذهبت بعض المجسمة إلى موافقة أهل الحق في تقدس الرب سبحانه وتعالى عن خصائص الأجسام وما يثبت لها من الأحكام . وذهبوا إلى منع كونه مؤلفا ، ثم ساروا إلى أن المعنى بكونه جسما : وجوده أو قيامه بالنفس . ومن سلك هذا المسلك ، آل الكلام معه إلى التنازع في الإطلاق والتسمية نفيا وإثباتا . ومما يفسد هذه الطريقة ويوضح بطلانها ، ما قدمناه من إنباء الجسم عن التأليف . فمن أراد صرفه عن وجهه والعدول عن قضيته في موجب اللّه ، كان مصدودا عن ذلك . إذ لا سبيل إلى إزالة قضايا الألفاظ من غير دلالة . ولو سوغنا تبديل اللغة ، ونقلها عن موضوعها في المسميات الجارية تواضعا واصطلاحا بين فئة من الناس ، فلا سبيل إلى تجويز ذلك في أوصاف الإله لاجماع الأمة . إذ لو جاز ذلك ، لجاز المطلق أن يطلق لفظ المؤلف ، وإذا روجع فيه فسّره بالوجود . ومهما ثبت إنباء الجسم في اللغة عن التأليف ، ترتب عليه امتناع تسمية الإله به ، ولم يجز ذكره في أوصاف الإله نقلا وخروجا عن اللغة . ثم نقول لهم : أنتم لا تخلون في إطلاقكم الجسم : إما أن تقولوا : أطلقنا ذلك بلا دليل ولا اقتضاء من عقل وشرع ولغة ، وإما أن تسندوا مذهبكم إلى دليل في ظنكم . فإن لم تسندوه إلى دليل ، كان الذي ذكرتموه محض التلقيب بناء على التشهي والتمني . ولو ساغ ذلك لساغ إثبات سائر الألقاب كذلك ، لتجوز تسميته زيدا وبكرا وعمرا ، تعالى اللّه عن قول